العنف في المدارس.. هل تصدّعت المكانة الاعتبارية للمعلم بالمغرب؟

سناء القويطي-الرباط

كان يوم 18 من سبتمبر/أيلول عاديا بالنسبة لمدرس الثانوي عبد الكريم الزوناني، لولا أن حادثا صادما غير مجراه. فبعد 14 عاما قضاها في مهنة التدريس، تعرض للضرب على يد طالب في الأيام الأولى لانطلاق العام الدراسي.

يقول المدرس المعنَف للجزيرة نت إن ألم اللكمات على وجهه يخف يوما بعد آخر غير أن الجرح في قلبه لا يُرجى منه شفاء بحسب تعبيره، متسائلا كيف أن “الطالب الذي كنت أنتظر منه الاحترام والتقدير يكون هو مصدر العنف”.

بنبرة ألم، يحكي كيف تحول استفسار عادي لطالب لم يلتزم بطابور الصباح إلى اعتداء سبب له جروحا في فكه وأذنه وعجزا قدره الطبيب المعالج بـ 25 يوما.

تحريك النيابة العامة متابعة قانونية ضد المعتدي، وتضامن المدرسين معه، لم ينقذا الزوناني من براثن الحيرة والهواجس التي داهمته وهو يبحث عن الخطأ الذي ارتكبه حتى هاجمه الطالب بتلك الطريقة العنيفة وسط بهو المدرسة وأمام الجميع.


 مدرسات يطالبن بوقف العنف داخل المدرسة (مواقع التواصل)
 مدرسات يطالبن بوقف العنف داخل المدرسة (مواقع التواصل)

ناقوس خطر
الزوناني ليس أول مدرس يتعرض للعنف داخل الفضاء المدرسي بالمملكة، بل إن قصصا مشابهة أكثر عنفا ودموية كانت المدارس أو محيطها مسرحا لها وأبطالها طلبة في مستويات الثانوي والإعدادي.

وأثارت هذه الحوادث المتنامية قلقا واستياء مجتمعيا، ودق فاعلون تربويون ناقوس الخطر محذرين من تدهور المكانة الاعتبارية للمعلم وما يعكسه من فشل المدرسة العمومية وتراجع القيم.

وبلغ صدى هذه الوقائع المتكررة -التي استخدم في بعضها السلاح الأبيض- إلى البرلمان حيث ساءلت فرق نيابية وزير التربية، واعتبر برلمانيون أن العنف بالمؤسسات التعليمية “لم يعد حالة معزولة” ودليل أزمة النظام التربوي مما يستدعي من الحكومة تحمل مسؤوليتها اتجاهه.

غير أن رئيس منظمة التضامن الجامعي عبد الجليل باحدو -وهي منظمة تأسست عام 1934 وتضم حوالي سبعين ألف معلم- يرى -في حديث للجزيرة نت- أن القضية لا تهم الحكومة لوحدها بل المجتمع برمته، داعيا إلى تظافر جهود جميع الفاعلين لعلاجها.

وفي يوليو/تموز الماضي نشرت المنظمة نتائج دراسة ميدانية حول العنف ضد الهيئة التعليمية شارك فيها 9038 من أعضاء الهيئة. وأظهرت الدراسة أن 46% من المشاركين تعرضوا لحالة عنف واحدة على الأقل (لفظي أو جسدي أو تحرش) خلال مسارهم المهني، وبينت أنه كلما ارتفع عدد تلاميذ الفصل ازدادت عدد حالات العنف بأنواعه.

وأفصحت الأرقام أن 7.5% من المستجوبين كانوا ضحية عنف جسدي بمؤسساتهم أو محيطها مرة واحدة على الأقل خلال مسارهم المهني، ومعظم هذه الاعتداءات الجسدية (74%) مصدرها التلاميذ وأولياؤهم، بينما تعرض 40.4% من المشاركين لعنف لفظي.

ووفق باحدو فقد تعاقدت المنظمة مع 117 محاميا في مختلف المناطق بهدف مؤازرة المدرسين أمام المحاكم، وأشار إلى أن عدد القضايا التي يتابعونها بلغ هذا العام 124 قضية تمس الأسرة التعليمية ضمنها 77 قضية تتعلق بالاعتداء على المعلمين سواء من طرف الأولياء أو المتعلمين، تتوزع على 51 ملفا في قضايا الشتم والإهانة والتهديد و28 ملفا يتعلق بالضرب والجرح.


 وقفة تضامنية مع مدرسين تعرضوا للعنف (مواقع التواصل)
 وقفة تضامنية مع مدرسين تعرضوا للعنف (مواقع التواصل)

أسباب.. حلول
ويعتبر الباحث التربوي عزيز لعويسي العنف الموجه ضد المدرسين امتدادا للعنف المستشري وسط المجتمع، ويفسره بعوامل مرتبطة بالمدرسة التي تراجعت أدوارها في “التربية على القيم وترسيخ السلوك المدني” مما شكل بيئة حاضنة سمحت ببروز جملة من الممارسات السلوكية اللامدنية، وعوامل أخرى مرتبطة بالأساس “بالاكتظاظ والعلاقات بين الفاعلين داخل الفضاءات المدرسية” ومدى توفر “قاعات الأنشطة وتأمين المحيط المدرسي، وكذلك “غياب تشريع مدرسي ناجع” قادر على فرض الانضباط وزجر المخالفين والمتهورين.

وحذر لعويسي من آثار العنف الذي يكون ضحيته المعلم، فهو -بحسب قوله- يضرب بقوة صورته ورمزيته المجتمعية ويؤسس لعلاقة مشوبة بالتوجس والتخوف والعداء وفقدان الثقة بين المدرسين من جهة والمتعلمين من جهة أخرى، كما أنه يعمق الإحساس الجماعي بفقدان الثقة في المدرسة العمومية كفضاء للتربية والتكوين، ويقوي الرغبة لدى الكثير من الأسر في الرهان على التعليم الخصوصي، بحثا عن “الأمن والطمأنينة” لأبنائهم، أكثر منه بحثا عن “الجودة”.

من جانبها، عممت وزارة التربية الوطنية مذكرة على جميع المؤسسات التعليمية بشأن التصدي للعنف في الوسط المدرسي، تضمنت جملة من التدابير التربوية والإدارية والقانونية والأمنية تشمل التصدي الحازم لمثل تلك الممارسات، وعدم التساهل معها وأيضا تكثيف الحملات التوعية، وتشجيع الأنشطة الترفيهية والتربوية والرياضية في أوساط المتعلمين.

غير أن باحدو يرى أن الحد من حوادث العنف المسيئة للمجتمع المدرسي الذي يضم ثمانية ملايين شخص، ينبغي أن يبدأ بطرح أسئلة جديدة تراعي مقتضيات العصر والقيم الضرورية للمجتمع، وإصلاح المنظومة التعليمية جوهريا في برامجها ومناهجها.

المصدر : الجزيرة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *