02/02/2026 – 13:49

عقد المغاربة، منذ صدور الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 وتتويجها بـالقانون الإطار 51.17، آمالاً عريضة على انبثاق فجر جديد للمدرسة المغربية؛ مدرسة تقطع مع زمن الإصلاحات الترقيعية لتؤسس لتعاقد وطني ملزم يعلو فوق الحسابات السياسوية الضيقة. غير أن خروج قانون التعليم المدرسي إلى الوجود، في الأنفاس الأخيرة من الولاية الحكومية الحالية، لم يكن مجرد خيبة أمل تقنية، بل كان بمثابة صدمة تشريعية كشفت عن رغبة دفينة في الالتفاف على التزامات الدولة وإعدام روح الإصلاح بإصرار مريب. إننا أمام نصٍّ لا يكتفي بإعادة تقنين الواقع بعلاته، بل يمارس عملية إفراغ دستوري للقانون الإطار، في ظل حكومة اختارت تأجيل المواجهة التشريعية إلى غروب ولايتها، لتمرر عبر أغلبيتها العددية مشروعاً يضع مستقبل الأجيال في كفة الميزان التجاري ويسلم مجال التربية والتعليم لمنطق السوق.
1. لغزُ السيادة المفقودة والتسليم للمنطق التسليعي لمجلس المنافسة
تعتبر الدعامة الأولى للرؤية الاستراتيجية، وهي « الإنصاف وتكافؤ الفرص »، حجر الزاوية في أي تحول ديمقراطي تربوي. وقد نص القانون الإطار في مادته الـ13 صراحة على أن التعليم الخصوصي شريك في تقديم « الخدمة العمومية ». غير أن القانون الجديد اجترح انزياحاً مفاهيميا ينم عن ذكاء التفافي خطير؛ إذ استحدث صنفين جديدين هما « التعليم غير الربحي » و »المدارس الشريكة »، وحصر فيهما فقط صفة تقديم الخدمة العمومية، محرراً بذلك « التعليم الخصوصي الصرف »أي الربحي من أي التزام وطني بمنطق المرفق العمومي.
والأنكى من ذلك، هو ارتماء الحكومة في حضن منطق « مجلس المنافسة »، الذي اعتبر التعليم قطاعاً تنافسياً يخضع حصراً لقانون « العرض والطلب ». إن هذا المنطق ليس فقط مناقضاً لروح الدستور والقانون الإطار، بل هو نشاز حتى في أعرق الدول الليبرالية. ففي تلك النظم، يُعامل التعليم كقطاع محمي يخضع لرقابة صارمة على الأسعار والمضامين، باعتباره رافعة للارتقاء الاجتماعي وليس سلعة استهلاكية. إن تملص القانون الجديد من تحديد أسعار التمدرس، بذريعة المنافسة، ومن إلزام المؤسسات الخصوصية بتوفير حاجاتهــا مــن الأطر التربوية والإدارية المؤهلة القارة، هو تملص صريح من سيادة الدولة على تربية أبنائها، وتحويل للوزارة من ناظم للسياسة التعليمية إلى مجرد مسجل عقاري ومسلم لتراخيص تجارية تكرس الطبقية التربوية.
2. تمويلُ الجودة: الصندوقُ « المسروق » من ذاكرة القانون
من أكبر التراجعات التي تضمنها القانون الجديد هو تجاهله التام لآلية التمويل الاستراتيجية التي نص عليها القانون الإطار في مادته رقم 47، والمتعلقة بإحداث « صندوق خاص لتمويل جودة منظومة التربية والتكوين ». هذا الصندوق لم يكن ترفاً إدارياً، بل كان ضمانة لاستدامة الإصلاح بعيداً عن تقلبات الميزانية السنوية، لكن رغم إحداثه بموجب قانون المالية سنة 2021 لم يعد يخصص له أي درهم في ميزانية التعليم التي يصوت عليها البرلمان كل سنة. وبتغييبه اليوم من قانون التعليم المدرسي نكون قد ألغينا الأساس التشريعي لهذا الصندوق.
إن تغييب هذا الصندوق في القانون الجديد هو إعدام مالي لمفهوم الجودة. فبدون وعاء مالي مخصص ومستقل، يظل الحديث عن « الجودة للجميع » مجرد لغوٍ سياسي. لقد اختار المشرع أن يبقي تمويل الجودة رهيناً بمنطق النفقة الجارية، مما يعني أن أي أزمة اقتصادية قادمة ستجعل من المدرسة العمومية أول ضحية للتقشف، وهو ما يثبت أن الحكومة لا تملك رؤية لتمويل جودة التعليم بل تكتفي بتدبير أزمة المدرسة المغربية.
3. اختطافُ صلاحيات اللجنة الدائمة للبرامج
في خطوة تعيد المنظومة إلى زمن الفردانية الإدارية، قام القانون الجديد بسلب « اللجنة الدائمة لتجديد وملاءمة المناهج والبرامج » صلاحياتها الجوهرية التي نص عليها القانون الإطار في المادة 28، وأعادها إلى حضن الوزارة. هذه اللجنة كانت تهدف إلى مأسسة الإصلاح البيداغوجي وجعله شأناً مؤسساتياً مستقلاً عن تقلبات الوزراء والأمزجة السياسية.
إن استعادة الوزارة لهذه الصلاحيات هو نكوص مؤسساتي صريح نحو المركزية المفرطة. فبدل أن تخضع البرامج والمناهج لتمحيص لجنة خبراء مستقلة تضمن الاستمرارية العلمية، أعادها القانون لتصبح خاضعة للبيروقراطية الوزارية التي طالما كانت سبباً في فشل المناهج السابقة. هذا الانقلاب التشريعي يقتل روح المأسسة التي بشر بها القانون الإطار، ويحول الإصلاح البيداغوجي إلى مجال تقني تتحكم فيه الإدارة بدل أن يكون مشروعاً مجتمعيا تقوده المؤسسات المختصة .بل حتى صلاحيات اللجنة الدائمة بخصوص الكتاب المدرسي آلت بحكم القانون الجديد إلى الوزارة ضدا على أحكام القانون الإطار.
4. مدرسة قديمة لا مدرسة جديدة: مركزيةٌ مقنعة واستقلاليةٌ مفقودة
رغم شعارات الجهوية المتقدمة، جاء القانون الجديد باهتا بهذا الخصوص ومركزياً بامتياز، مغيباً أي استقلالية فعلية للمؤسسات التعليمية. إن ربط تدبير المؤسسة بـ « مشروع المؤسسة » دون منح مديرها سلطة مالية أو بيداغوجية حقيقية، يجعل من هذا المفهوم مجرد زينة إدارية. إن القانون الجديد للتعليم المدرسي لا يرى في المؤسسة مجالا للارتقاء الفردي والمجتمعي كما نص على ذلك القانون الإطار، بل وحدة تنفيذية خاضعة لبيروقراطية قديمة، مما يقتل روح المبادرة ويحبس مجهودات الإصلاح داخل أسوار الإدارة المركزية، ويفرط في الدعامة الثالثة للرؤية المتمثلة في الارتقاء بالفرد والمجتمع.
5. مدرسة بلا روح: تغييب القيم و »حياد مواصفات التعلم »
لا يتوقف الانزياح في القانون الجديد عند حدود الحكامة والتمويل، بل يمتد ليطال الهوية القيمية للمتعلم المغربي. فبينما جعل القانون الإطار من ترسيخ القيم الدينية والوطنية والارتقاء بالإنسان غاية أسمى، جاء القانون الجديد بأهداف باردة للأسلاك التعليمية.
والمثير للاستغراب هو ذلك الصمت القيمي المريب في المادتين 17 و18؛ ففي التعليم الأولي (المادة 17)، الذي يُفترض أن يكون محضناً للتنشئة الأولى على قيم الانتماء، غابت أي إشارة للقيم الدينية والوطنية. وتكرر الأمر في التعليم الابتدائي (المادة 18)، وهو السلك الحاسم في بناء شخصية المواطن، حيث تم اختزال الأهداف في مهارات وظيفية مع تغييب تام للأبعاد القيمية الملزمة التي نصت عليها الرؤية الاستراتيجية. إن هذا « الحياد القيمي » في صلب المواد التشريعية للأسلاك التعليمية ليس إلا تغييبا مقصودا لوظيفة المدرسة كرافعة للارتقاء القيمي، وتحويلاً لها إلى مجرد فضاء للتكوين على مهارات جافة، مما يضع القانون الجديد في تعارض صارخ مع المادة 4 من القانون الإطار التي تلزم المدرسة بترسيخ الهوية الوطنية والثوابت الدينية.
6. مأسسة الواقع وتكريس الهشاشة
يظهر عجز القانون الجديد في كونه تجميع ميكانيكي لقوانين قديمة عمرها ربع قرن (04.00 و05.00 و06.00). فبدلاً من مأسسة تعليم أولي عمومي كحق دستوري، يكرس القانون « مناولة » هذا القطاع للجمعيات في مأسسة واضحة لواقع لا ينسجم مع توجهات القانون الإطار للتعليم، محولاً أخطر مرحلة في بناء الإنسان إلى ورش جمعوي غير مستدام.
كما يعيد القانون إنتاج فلسفة القانون 06.00 بخصوص التعليم الخصوصي، معززاً النظرة التجارية الصرفة. أين هي الجدة في قانون يعيد إنتاج نفس العقوبات ونفس شروط الترخيص التي أثبتت محدوديتها منذ25 سنة؟ إن هذا الاستنساخ هو قرار سياسي بتأبيد نموذج يكرس اللامساواة، ويحمي المستثمرين على حساب الإنصاف الاجتماعي، ضارباً عرض الحائط بالمادة 14 من القانون الإطار التي تحدثت عن نظام تحفيزي مقابل التزامات اجتماعية، وذلك في إطار إطار تعاقدي استراتيجي شامل بين الدولة والقطاع الخاص..
7. عجزُ الصياغة: من « المعيارية الإجرائية » إلى « الاستنساخ اللفظي »
من الناحية التقنية التشريعية، يسقط القانون الجديد في خطيئة العقم الإجرائي. فالمفترض في أي قانون تنزيلي أن يتصف بالمعيارية والإجرائية، أي أن يترجم المبادئ العامة والمجملة للقانون الإطار إلى نصوص دقيقة تحدد الحقوق والواجبات والمساطر بشكل لا يقبل التأويل.
لكن، وبدل أن يكتب المشرع نصاً معيارياً بلغة قانونية رصينة، اكتفى في أجزاء واسعة منه بإحالات جامدة على مواد القانون الإطار أو استنساخها حرفياً بجماليتها الإنشائية. هذا الهروب من التدقيق الإجرائي يجعل القانون الجديد نصاً تشريعيا قاصرا؛ فهو لا يقدم حلولاً للمشاكل الميدانية، بل يكتفي بالفرار إلى الأمام عبر لغة عامة لا تلزم أحداً بشيء وعبر الإحالة على نصوص تنظيمية قد تأتي أو لا تأتي. إن هذا الكسل التشريعي هو تعبير عن رغبة الإدارة في إبقاء الضبابية قائمة لتتمكن من المناورة خارج رقابة القانون.
8. أزمة المشروعية: عندما يتمرد القانون العادي على مرجعيته القانونية
لا تقتصر عيوب قانون التعليم المدرسي الجديد على جوانبه الإجرائية أو الفنية، بل تمتد لتطال شرعيته التشريعية. فبالرجوع إلى هرمية القوانين في المغرب، نجد أن القانون الإطار 51.17 هو قانون أسمى من حيث القيمة القانونية والالتزام الزمني، وأي انزياح عنه في القانون الجديد لا يُعد مجرد وجهة نظر تدبيرية، بل هو مخالفة صريحة للقانون.
إن إقدام المشرع على تغييب صندوق تمويل الجودة، أو مصادرة صلاحيات اللجنة الدائمة للمناهج، ليس مجرد تفصيل إداري، بل هو تعطيل متعمد لمقتضيات قانونية ملزمة. هذا الانزياح يضع المنظومة في مأزق دستوري؛ فكيف لقانون أدنى أن يُلغي أو يُحور ما قرره قانون أعلى؟ إننا أمام انزلاق تشريعي يُفقد القانون الجديد مبرر وجوده، ويجعله نصا وُلِد ميتاً من الناحية الحقوقية والدستورية، لأنه اختار أن يكون أداة لخدمة الأجندة السياسية للحكومة بدلاً من أن يكون وفياً للتعاقد الوطني الاستراتيجي.
9. المسؤولية السياسية: حكومةُ الوقت الضائع وصممُ الأغلبية
لا يمكن قراءة هذا النص بمعزل عن سياقه السياسي. فقد تعمدت الحكومة الحالية نهج سياسة التسويف في تقديم هذا المشروع الاستراتيجي، منتظرة غروب ولايتها لتمرره عبر أغلبيتها العددية الصامتة. هذا التأخر المريب هو تكتيك لفرض الأمر الواقع والهروب من النقاش المجتمعي العميق الذي يستحق ورشاً بحجم مستقبل الأمة.
إن المسؤولية تقع على عاتق الأغلبية البرلمانية التي تحولت إلى آلة تسجيل وإلى صدى حكومي، من خلال مباركتها لردة تشريعية تُجهض حلم المدرسة الجديدة التي بشرت بها الرؤية الاستراتيجية.. والأخطر من ذلك هو الاستعلاء السياسي الذي تعاملت به الحكومة مع الملاحظات الجوهرية لـ « المجلس الأعلى للتربية والتكوين » في رأيه الصادر في الموضوع سنة 2023؛ حيث رفضت التفاعل الإيجابي مع تحذيرات المجلس بشأن الانزياح عن الإنصاف وتفتيت المنظومة، مما يؤكد أننا أمام حكومة لا تنصت إلا لصوت المصالح الضيقة.
10. خاتمة: الردة التشريعية وشهادة وفاة الإصلاح
إن « قانون التعليم المدرسي » في صيغته الحالية هو « انقلاب تشريعي » مكتمل الأركان على مرجعيات الإصلاح. لقد نجح المشرّع في تحنيط القانون الإطار، وفي الالتفاف على مطالب المغاربة بمدرسة عمومية ذات جودة، عبر تقديم تجميع تقني لنصوص بائدة، والتخلي عن آليات التمويل، واختطاف صلاحيات اللجان المستقلة، وتسليع التعليم بذريعة المنافسة.
إننا أمام شهادة وفاة رسمية لإصلاح 2030، ممهورة بختم الأغلبية الحكومية. وإذا لم يتم تدارك هذا النكوص عبر مراجعة شاملة من طرف المحكمة الدستورية تعيد لهذا القانون بوصلته المعيارية وتستحضر روح القانون الإطار، فإننا سنكون قد استبدلنا حلم المدرسة الوطنية الجديدة بسوق تربوية تخدم اللوبيات، وتترك مستقبل الأجيال لعواصف « العرض والطلب » في عالمٍ لا يحترم إلا من استثمر في عقول أبنائه بصدق.
