
عبد الناصر ناجي
تفكيك سردية الوصاية في مشروع مدارس الريادة
حين يختلط طموح الإصلاح الوطني بشغف “التسويق البيداغوجي”، وتتحول قاعات الدرس إلى مختبرات لتجريب نماذج “مستوردة” تُباع كحقائب جاهزة، يصبح من الواجب الأخلاقي والوطني فتح باب المساءلة. إن المونوغرافية الصادرة مؤخراً عن “كليرمون غوتييه” و”ستيف بيسونيت” بشأن مشروع “المدارس الرائدة” في المغرب، لا تقدم لنا تقييماً علمياً محايداً، بل هي أقرب إلى “مرافعة سياسية” مغلفة بلغة تقنية، تحاول شرعنة توجه يختزل العملية التعليمية في مجرد “خوارزميات” بيداغوجية جافة، متوسلةً بلغة “الحرب” لاستئصال أي صوت مؤسساتي مخالف.
لحظة الكشف: حين تتحدث السياسة بلسان البيداغوجيا
لنبدأ من حيث أراد المؤلفان أن يكونا أكثر حدة، وهي لحظة كشفٍ نادرة في أدبيات التربية تكشف بوضوح أننا بصدد مشروع “سياسي” يرتدي ثياباً بيداغوجية. يقول النص بالحرف: ” في المقابل، لم تغامر الوزارة واتخذت رد فعل سريع بهدف استعادة السيطرة على الأجندة.. لقد تم تغيير رئيس المجلس الأعلى للتربية، واستعادت السلطة زمام المبادرة لمواجهة التهديد بهجوم مضاد”.
هذا الاعتراف ليس مجرد تفصيل عابر، بل هو إعلان صريح عن “وفاة الاستقلال المؤسساتي” في تقييم السياسات العمومية. أن يُوصم تقرير مؤسسة دستورية كالمجلس الأعلى للتربية بكونه “تهديداً” يستوجب “هجوماً مضاداً” وإعفاءات للمسؤولين، فهذا يعني أننا أمام “سلطوية بيداغوجية” لا تقبل الشريك ولا تعترف بالرأي الآخر. لقد تحول العلم هنا إلى أداة لـ “السيطرة على الأجندة”، وأصبح إعفاء المسؤولين أداة لضبط “الإيقاع البيداغوجي” بما يشتهيه المروجون للمشروع، في مشهد يذكرنا بأساليب التوجيه الفكري لا بآليات الإصلاح الديمقراطي للتعليم.
خديعة الأرقام: لماذا التغاضي عن “بيرلز” (PIRLS)؟
تتجلى أكبر تمظهرات “الانتقائية” المريبة في هذه المونوغرافية عند مقارنة تعامل المؤلفين مع المعطيات الرقمية الدولية. فقد بنى المؤلفان خطابهما على “سياسة الهلع” عبر استحضار نتائج اختبار PISA 2022، الذي يشير إلى أن 18.9% فقط من التلاميذ في سن الخامسة عشرة يمتلكون الحد الأدنى من الكفايات في القراءة.
لكن، وبشكل يثير الكثير من التساؤلات، صمت المؤلفان صمتاً مطبقاً عن نتائج اختبار PIRLS 2021 ، والسبب يظهر بوضوح عند لغة الأرقام؛ ففي اختبار PIRLS الذي يستهدف التعليم الابتدائي، وهو الميدان الفعلي للإصلاح الذي يمجده المؤلفان، بلغت نسبة التحكم في الكفايات الدنيا 41%. هذا الفرق الشاسع (من 18.9% إلى 41%) يفسر لماذا هرب المؤلفان نحو “بيزا” وتجاهلوا “بيرلز”؛ فإظهار رقم 41% كان سيفسد سردية “الانهيار الشامل” التي يحتاجونها لتسويق وصفتهم السحرية. إن التغاضي عن PIRLS ليس خطأً منهجياً، بل هو “تعمية مقصودة” تهدف إلى رسم صورة سوداوية مبالغ فيها للتعليم الابتدائي، لإقناع الرأي العام بأن لا مخرج إلا عبر “التعليم الصريح”.
وعلاوة على ذلك، فإن عام 2021 يكتسي أهمية سياسية بالغة، فهو يوافق بداية تنصيب الحكومة الحالية التي جعلت من “تجويد التعلمات” رهاناً مركزياً، والتزمت رسمياً برفع نسبة التحكم في الكفايات الدنيا إلى الضعف. فهل كان تجاهل رقم 41% في PIRLS محاولة لتغيير “نقطة الانطلاق” الإحصائية لكي يسهل لاحقاً الادعاء بتحقيق قفزات نوعية؟ إن التلاعب بـ “خط البداية” هو أقدم حيلة في كتب الدعاية السياسية.
بضاعة رُدّت إلى أصحابها: مفارقة المنشأ الكندي
من المغالطات الكبرى التي تروج لها هذه المونوغرافية، محاولة تصوير “التعليم الصريح” كإجماع بيداغوجي كندي أو كمعجزة عابرة للقارات. والحقيقة أن واقع الحال في كندا يفرض نوعاً من التنسيب العلمي؛ ففي مقاطعة أونتاريو، لم يتم إقرار هذه المنهجية في المناهج الرسمية للغة سنة 2023 إلا كإجراء تصحيحي اضطراري أعقب تقرير “الحق في القراءة” الصادر سنة 2022، وذلك بعد الفشل النسبي لمقاربات “الاكتشاف” و”القراءة المتوازنة” التي أدت إلى تدهور مستويات فك الرموز لدى الأطفال في وضعيات صعبة. بمعنى آخر، “التعليم الصريح” هناك هو دواء لحالة مرضية محددة وليس غذاءً بيداغوجياً شاملاً.
أما في مقاطعة كيبيك، البلد الفعلي للمؤلفين، فلا يزال هذا النموذج يواجه مقاومة أكاديمية وميدانية شديدة، حيث ترفض النخب البيداغوجية تحويله إلى قالب إجباري، معتبرة إياه نموذجاً “ميكانيكياً” يختزل أدوار المدرس.
مكننة التعليم: هل نحتاج إلى مدرسين أم إلى “روبوتات”؟
إن جوهر الخلاف مع الأطروحة التي يقدمها غوتييه وبيسونيت ليس تقنياً فحسب، بل هو فلسفي وجودي يمس كينونة المدرسة المغربية. فالنموذج المقترح يقوم على “التعليم الصريح” بصيغته المتطرفة، التي تحول المدرس من “مربٍّ” و”خبير” إلى مجرد “منفذ” لـ “سكربتات” (Scripts) معدة مسبقاً في مراكز القرار.
في هذا النموذج، يختفي “المدرس الخبير” الذي يمتلك القدرة على التشخيص السريري لحالة تلاميذه وتكييف المعرفة وفق سياقهم الثقافي والاجتماعي، ويظهر مكانه “التقني” الذي يتبع دليلاً إجرائياً صارماً لا يحيد عنه قيد أنملة. إننا أمام “مكننة” الفعل التعليمي، حيث يُطلب من المدرس أن يكون “ساعي بريد” بيداغوجي، مجرداً من أي سلطة تقديرية. هذا التوجه لا يقتل “روح المهنة” فحسب، بل يفرغ التعليم من رسالته الإنسانية التفاعلية، محولاً إياه إلى خط إنتاج نمطي يشبه خطوط التجميع في المصانع الكبرى، في تمثل سيئ لنموذج التايلورية. إن مدرسة “السكربتات” هي مدرسة تضمن ربما إنتاج تلاميذ “ممتثلين”، لكنها تفشل حتماً في بناء مواطن نقدي مبدع.
الهجوم على المؤسسات: حقيقة “النجاح” المسروق
لقد ارتكب المجلس الأعلى للتربية والتكوين في نظر المؤلفين “جرم” الصراحة حين أكد أن القفزة النوعية التي سجلتها المدارس الرائدة تعود بالأساس إلى حصص الدعم (TaRL) التي عالجت ثغرات الماضي، وليس إلى سحر “التعليم الصريح” في الحصص اليومية.
وبدلاً من مناقشة هذا المعطى علمياً، اختار المؤلفان لغة “التشهير” بمؤسسة دستورية، ناعتين تقاريرها بـ “الجهل” و”التلاعب السياسي”. إن هذا التشنج يعكس خوفاً من كشف الحقيقة؛ وهي أن النجاح الحالي هو نجاح “علاجي” مؤقت ومرتبط بظروف استثنائية (متطوعون، منح مالية سخية، وتجهيزات فائقة)، وليس ثورة في الممارسة التربوية المستدامة.
لقد حاول المؤلفان في مونوغرافيتهم ممارسة “سطو” بيداغوجي على النجاح النسبي الذي سجلته المدارس الرائدة، ونسبه بالكامل إلى “التعليم الصريح”. فهناك خلط متعمد في المونوغرافية بين “العلاجي” و”الوقائي”؛ فمقاربة TaRL هي مقاربة “علاجية” تهدف إلى رتق الفجوات المعرفية المتراكمة، وقد حققت نتائجها لأنها تخاطب حاجة ملحة ومباشرة. أما “التعليم الصريح” فهو مقاربة “وقائية” تُمارس في الدروس اليومية. إن ركوب المؤلفين على موجة نجاح الدعم الاستدراكي لادعاء نجاعة نظامهم في التدريس اليومي هو تضليل علمي مكشوف. إنهم يبيعوننا “الدواء” على أنه “غذاء يومي”، والهدف هو تلميع “علامة تجارية” بيداغوجية معينة لضمان استمرارها في الهيمنة على الميزانيات.
سراب النجاح: ميزانيات “الإنعاش” ووهم التعميم
تتحدث المونوغرافية بنبرة احتفالية عن “نتائج واعدة”، لكنها تغفل ببرود الظروف الاستثنائية التي أحاطت بهذا النجاح. فالمشروع انطلق في “بيئة محمية” لا تشبه واقع المدرسة المغربية في شيء: مدرسون ومديرون تم اختيارهم بناءً على تطوعهم، وتحفيزهم ببروتوكول مالي سخي (10,000 درهم سنوياً)، وتوفير تجهيزات رقمية ووسائل ديداكتيكية لا تحلم بها مدارس “الهامش”.
أي باحث مبتدئ يدرك أن النتائج المحصل عليها في “مختبر” معزول لا يمكن تعميمها على “الحقل” المفتوح. فهل تملك ميزانية الدولة القدرة على تعميم “منحة الـ 10,000 درهم” على ربع مليون مدرس بشكل مستدام؟ وهل سيبقى الحماس نفسه عندما يُفرض المشروع قسراً على الجميع دون استشارة أو انتقاء؟ إن “المدارس الرائدة” اليوم تعيش تحت “تخدير مالي” و”منشط” لوجستيكي، والحديث عن نجاعة “البيداغوجيا” وحدها في هذا السياق هو نوع من التدليس المنهجي الذي يتجاهل كلفة الإصلاح الحقيقية.
ظلال “تضارب المصالح”: حين يتحول البحث إلى “بيزنس”
والأنكى من ذلك، هو ما كشفته جريدة Le Devoir الكندية (في مقالها الاستقصائي رقم 821097) حول نظام الإتاوات المالية الذي يستفيد منه مروجو هذا النموذج، وعلى رأسهم ستيف بيسونيت، من خلال بيع حقائب تدريبية ومواد ديداكتيكية. هذا المعطى الأخلاقي يضرب في الصميم “الحياد العلمي” للمونوغرافية؛ إذ كيف يمكن الركون إلى موضوعية باحثين يتحول “يقينهم البيداغوجي” في نهاية المطاف إلى “منتج تجاري” يُدر عليهم أرباحاً شخصية؟ إننا أمام خلط صريح بين “البرهان العلمي” و”الترويج التجاري”، وهو ما يفسر حدة الهجوم على المؤسسات الوطنية المغربية التي حاولت تقديم تحليل مستقل يعيد النجاح المسجل لأسبابه الحقيقية أي برنامج الدعم التربوي وليس للوصفة التجارية للمؤلفين.
لا يمكن فصل محتوى هذه المونوغرافية عن السياق الأخلاقي والمهني لمنتجيها. فبينما يسوق ستيف بيسونيت لنموذجه في المغرب بلهجة “المبشر” الذي يمتلك “الحقيقة المطلقة”، تضج الساحة التعليمية في كندا بنقاشات حادة حول “نزاهته الأكاديمية”.
لقد كشفت صحيفة Le Devoir الكندية العريقة عن شبهات “تضارب مصالح” صارخة تلاحق بيسونيت، وهنا نصل إلى “مربط الفرس”: هل نحن أمام “علم نافع” للمغاربة، أم أمام “سلعة بيداغوجية” يراد تصريفها في أسواق الجنوب؟ إن “مكننة” المدرس وتحويله إلى مستهلك لـ “السكربتات” الجاهزة تخدم بوضوح هذا التوجه التجاري؛ فالمدرس الحر والمبدع لا يحتاج لشراء “حقائب بيداغوجية” معلبة، أما المدرس “الممكنن” فهو زبون دائم ومثالي لشركات التكوين الدولي.
المغرب ليس مختبراً: نحو سيادة بيداغوجية حقيقية
إن أخطر ما في مونوغرافية غوتييه وبيسونيت هو تلك النزعة “الكونية” الزائفة، التي تدعي أن هناك وصفة تعليمية تصلح لكل زمان ومكان، متجاهلةً الخصوصية الثقافية واللغوية والاجتماعية للمغرب. إنهم يتعاملون مع التلميذ المغربي كأنه “صفحة بيضاء” أو “كائن بيولوجي” مجرد من سياقه الحضاري.
إن السيادة الوطنية تبدأ من “السيادة التربوية”. لا يمكن بناء مدرسة الجودة عبر استيراد “خبراء” يمارسون الوصاية على مؤسساتنا الدستورية، ويهاجمون كل من يجرؤ على نقد بضاعتهم. إن المغرب يمتلك من الأطر والباحثين والممارسين ما يكفي لبناء نموذج وطني نابع من الاحتياجات الحقيقية للفصل الدراسي المغربي، وليس من احتياجات “بورصة” التكوينات الدولية.
المدرس هو ضمانة الإصلاح
في الختام، يجب أن نعي أن أي إصلاح يمر عبر “تنميط” المدرس وتجريده من خبرته المهنية وتحويله إلى “آلة تنفيذ” هو إصلاح محكوم عليه بالفشل الأخلاقي قبل التقني. إن الاستثمار الحقيقي ليس في “السكربتات” الجاهزة ولا في “الهجمات المضادة” على المؤسسات الدستورية، بل في كرامة المدرس، وفي حريته البيداغوجية، وفي تكوينه المستمر كباحث وممارس لا كتقني تحت الطلب.
لقد حان الوقت لإغلاق قوس “الاستلاب البيداغوجي” وفتح باب الحوار الوطني الصادق، الذي يحترم المؤسسات، ويقدر ذكاء المدرسين، ويضع مصلحة التلميذ فوق مصالح “الشركات التربوية”. إن الحقيقة التي حاول المؤلفان طمسها عبر إخفاء أرقام PIRLS ومهاجمة المجلس الأعلى ستظل ماثلة أمامنا: المدرسة تُبنى بالحرية والعلم الرصين، لا بالارتهان إلى القرارات والسياسات العابرة للقارات والفاقدة للشرعية البيداغوجية.
