بقلم: أحمد بودهكات

 ​يقف التعليم الابتدائي اليوم أمام تحدٍّ بنيويّ يمسّ جوهر العملية التعليمية؛ يتجلى في تدبير الإيقاعات الزمنية وتكييفها مع الجاهزية النفسية والجسدية للطفل. فالزمن المدرسي ليس مجرد وعاء لتصريف المقررات والمواد، بل هو مدخل بيداغوجي حاسم يحدد مدى قدرة المتعلم على الاستيعاب والنمو المتوازن يستدعي تتبيث التعلمات الأساس ترشيدَ الجهد وتوجيهه بدقة، غير أن الغلاف الزمني الحالي المعتمد في السلك الابتدائي يشكل عبئاً يفوق القدرات الاستيعابية للمتعلمين. إن الإبقاء على ساعات تمدرس طويلة دون مراجعة شجاعة يعيق تحقق الأهداف التربوية، ويزيد من إرهاق التلميذ والأستاذ على حد سواء.

​وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الماسة إلى الحسم في التزام وزارة التربية الوطنية المتعلق بتخفيض ساعات التمدرس، والذي ظل معلقاً لسنوات. إن هذا التخفيض ليس مجرد تقليص كمي، بل هو ضرورة بيداغوجية تمنح الطفل هامشاً للراحة والأنشطة الموازية، وتجنبه الإجهاد الذهني المبكر.

​تؤكد الأبحاث التربوية والنفسية أن قدرة الطفل على التركيز تتسم بالحدودية وتتخللها فترات فتور طبيعية خلال اليوم. ورغم هذه الحقائق العلمية، لا يزال الزمن اليومي في العديد من الصيغ ممتداً لساعات طويلة تضعف فاعلية التعلم.

​إن ملاءمة الزمن اليومي مع قدرات الطفل تتطلب اتخاذ خطوات عملية، أبرزها:

- ترشيد الزمن اليومي عبر تقليص ساعات الدراسة اليومية لتفادي الإرهاق الذهني.

- البرمجة الذكية للمواد بتركيز المواد التي تتطلب مجهوداً ذهنياً عالياً في الفترات الصباحية.

- تخفيف العبء المسائي بتخصيص الفترات المسائية للأنشطة الداعمة والتفتح الفني والرياضي.

- توحيد استعمالات الزمن عبر استحضار تجربة التسعينيات من القرن الماضي، حين بادرت الوزارة إلى إرساء استعمالات زمن موحدة أُدرجت ضمن كتيبات "أهداف وتوجيهات"، ما أسهم آنذاك في الحد من العشوائية والاجتهادات الفردية التي تثير الجدل.

​المفارقة هي أن التلميذ المغربي يقضي قرابة 1000 ساعة سنوياً داخل الفصول، متجاوزاً أقرانه في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية  (OCDE)، بل ومتفوقاً بالضعف تقريباً على فنلندا التي تحصد المراتب الأولى عالمياً بيوم مدرسي لا يتجاوز 3 إلى 4 ساعات تتخللها استراحات لعب إجباري. والنتيجة؟ كلما زدنا في ساعات التلقين، هوينا أكثر في قاع الترتيب العالمي لتقويمات PIRLS وTIMSS وPISA.

​إن إعادة الانضباط والاستقرار للزمن المدرسي يستدعي اليوم اعتماد صيغ موحدة ومعيارية لاستعمالات الزمن على الصعيد الوطني أو الجهوي، مع مراعاة خصوصيات بنيات المؤسسات (حضرية، قروية، فرعيات، أو جماعاتية).

​إن توحيد الصيغ يضمن تحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين، ويوفر إطاراً تنظيمياً واضحاً يخدم مصلحة التلميذ ويعيد التوازن للمنظومة التربوية.