مع اقتراب تشكيل الحكومة المنبثقة عن انتخابات 23 سبتمبر، يجد ملف مدارس الريادة نفسه في قلب سجال تربوي حاد. فبعد ثلاث سنوات من انطلاق التجربة، تتباين المواقف بين مدافعين يرون فيها “ثورة في التعلمات” ومنتقدين يحذرون من “طايلورية بيداغوجية”. وبين هذا وذاك، نقدم في هذا المقال موقفاً مركباً يرفض التبسيط، ويضع الحكومة المقبلة أمام سؤال استراتيجي: هل تستمر في نموذج يعالج أزمة التعلمات الأساس لكنه يعجز عن رفع تحديات التنميةالشاملة والمستدامة؟
موقف المدافعين: “نتائج غير مسبوقة”
يستند المدافعون عن مدارس الريادة إلى معطيات ميدانية يصفونها بالمشجعة. فقد سبق ليوسف سعداني، المهندس الرئيسي لهذا المشروع، أن كشف بأن التقييمات التشخيصية أظهرت أن 66% منالتلامذة “لم يمتلكوا الكفايات الأساس في اللغة العربية والرياضيات والفرنسية”، في مقابل متوسط عالمي يصل إلى 80% في نهاية السنة الأولى. ويرى سعداني أن مدارس الريادة تمثل “قطيعة مع الممارسات السابقة”، لأنها تهدف إلى “جعل الإصلاح فعالاً داخل الفصول” و”تزويد المدرسين بالأدوات اللازمة لتحسين التعلمات بشكل ملموس”.
وتشير دراسة أنجزها أربعة باحثين، وشملت 138 مدرسة رائدة و138 مؤسسة ضابطة، لكنها لم تنشر في أي مجلة علمية محكمة، إلى أن مشروع المدارس الرائدة “حسّن تعلم التلامذة بمقدار 0.90 انحراف معياري في المتوسط”، وبلغ هذا الأثر 0.52 في اللغة العربية، و0.93 في الرياضيات، و1.30 في اللغة الفرنسية، وهو ما اعتبرته الوزارة دليلاً على نجاعة المقاربة.
موقف المنتقدين: تسرّع في الاحتفاء وغياب للأساس العلمي
المنتقدون يعتبرون بأن الوزارة تسرّعت في الاحتفاء المبالغ فيه بنتائج مدارس الريادة في المرحلة التجريبية، مما أوقعها في بعض أحكام القيمة التي لا تستند إلى أساس علمي متين. ويضربون مثالاً صارخاً على هذا التسرعبالإعلان بعد شهرين فقط من انطلاق التجربة بأنالتلامذة المتعثرين ربحوا سنتين من الدراسة بعد الاستفادة من شهر ونصف من الدعم التربوي،مما يعني أنهم سيربحون 12 سنة من حياتهم الدراسية إذا استفادوا من 9 أشهر من الدعم ذاته، وهذا يعني ضمنيا أن من يدخل هذه المدارس تكفيه سنة واحدة من الدعم بتقنية طارل ليحصل على البكالوريا. وهو استنتاج غير سليم منهجياً، لأنهيفتقر إلى عينة ضابطة حقيقية، ولأن المقارنة تمت مع تلامذة يعانون أصلاً من تعثرات في التعلم.
كماأن الدراسة التي أجراها المرصد الوطني للتنمية البشرية حول مدارس الريادة، التي رُوّج لها على أنها دليل نجاح هذه التجربة، في حين يتعلق الأمر فقط برصد تمثلات الفاعلين حول هذه المدارس من أجل تعزيز عوامل التعبئة والالتزام، لم تشمل عينة تمثيلية بما يكفي لتعميم نتائجها، إذ شملت 5 مدارس فقط من أصل 628 مدرسة، بنسبة أقل من 1 في المائة، كما أن الأمر يتعلق بدراسة نوعية وليست كمية يمكن أن تسمح بتقييم تأثير هذا المشروع على التعلمات.
الأرقام لا تكذب
نقف هنا عند نقطة جوهرية تتعلق بالمنهجية العلمية في الربط بين نتائج التقييمات الدولية ومشروع “مدارس الريادة”. فمن حيث المبدأ، صحيح أنالنتائج الكارثية فياختبار”بيزا 2025″ تخص تلاميذ في سن 15 سنة، وأن تجربة مدارس الريادة انطلقت في السلك الابتدائي سنة 2023، لكن ثلاث حجج أساسية تقدم صورة مغايرة.
أولا،نتائج “بيزا 2025” ينبغي قراءتها كقياس لحصيلة المنظومة التربوية في شموليتها خلال العشرية الماضية. فالتلاميذ الذين خضعوا للاختبار في 2025 كانوا في سن السادسة عند إطلاق الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، أي أنهم “جيل الإصلاح” بامتياز. وكان ينبغي بمنطق التراكم أن تكون نتائج هذا الجيل في منحى تصاعدي في تيمس 2019 عندما كان في السنة الرابعة ابتدائي، وفي تيمس 2023 عندما بلغ مستوى الثانية إعدادي وفي بيزا 2025 عندما أكمل 15 سنة من عمره. لكن ما حصل هو العكس تماما سواء في تيمس 2023 التي تراجعت نتائجه بما يعادل 25 سنة تقريبا، أو في بيزا 2025 التي عرفت تراجع نتائج المغرب بشكل واضح مقارنة مع مشاركتي 2018 و2022. هذا التدهور ليس طارئاً بل مستمر، والسياسات التعليمية المطبقة خلال السنوات الأخيرة كانت سبباً في هذا التردي وعاجزة عن تحسين الأداء.
ثانيا، مدارس الريادة، حتى لو اقتصرت حالياً على السلكين الابتدائي والإعدادي، وهو اختيار تتحمل تبعاته الوزارة الوصية، فإن فشلها فياستدامة تحسين جودة التعلمات — كما كشف تقييم المجلس الأعلى للتربية والتكوين — يعني أن التلاميذ الذين سينتقلون إلى الثانوي في السنوات المقبلة لن يكونوا مؤهلين لاجتياز اختبارات بيزا بنجاح. هناك خطأ منهجي فادح سيزيد من الفشل مستقبلاً عندما يصل تلامذة مدارس الريادة إلى سن اجتياز هذا الاختبار الدولي رغم الاستثمارات الكبيرة المرصودة. فالمشكلة ليست في توقيت الاختبار، بل في أن النموذج نفسه — القائم علىالتوجيه والتنميط لا تحرير الطاقات— لا يبني الكفايات العليا التي تقيسها بيزا، كالتفكير النقدي وحل المشكلات.
ثالثا، نتائج “بيرلز 2021” — التي أُجريت قبل انطلاق مدارس الريادة — تكشف “خديعة الأرقام” و”الانتقائية المريبة”المعتمدة من طرف الوزارة الوصيةالتي اعتمدت في تقديمها لمدارس الريادة على نتائج “بيزا 2022” لتغذية خطاب الأزمة، مقابل تجاهل نتائج “بيرلز 2021” التي أظهرت نسب تحكم أعلى في الكفايات الأساسية (41% بدل 18.9%). إن هذا التغاضي ليس خطأً منهجياً، بل هو ‘تعمية مقصودة’ تهدف إلى رسم صورة سوداوية مبالغ فيها. إن نسبة التلاميذ الذين يتحكمون في الكفايات الدنيا ارتفع إلى 41 في المائة سنة 2021 بعدما كان في حدود 36 في المائة سنة 2016، مسجلاً بذلك تقدماً لا ينبغي تجاهله.علما بأن نصوص “بيرلز” التي تمتد من 350 إلى 700 كلمة تقيس الفهم وليس مجرد فك الرموز.
في ضوء هذه الحجج، يتبين أن الربط بين التقييمات الدولية ومدارس الريادة لا يقوم على افتراض أن “بيزا 2025” قاس تلاميذ مدارس الريادة مباشرة، بل على ما يمكن تسميته “الأثر المفقود”: فحتى لو لم يشارك تلاميذ مدارس الريادة في “بيزا 2025″، فإن فشل المنظومة في تمكين جيل كامل من الكفايات يطرح تساؤلاً مشروعاً حول جدوى نموذج لم يثبت حتى في مرحلته التجريبية أنه قادر على التحسين المستدام لجودة التعلمات، ونموذج بنى مجده المزعوم على ضياع جيل بأكمله نشأ وترعرع في ظل إصلاح وعده بالكثير.
وهو ما يدفعنا إلى خلاصة مفادها أن مدارس الريادة، حتى لو نجحت في تحسين التعلمات الأساس على نطاق ضيق، فإن اختزال الإصلاح فيها سيفرز منظومة تربوية غير قادرة على رفع تحديات التنمية ولا على بلوغ الحد الأدنى من الكفايات في التقييمات الدولية مثل بيزا وبيرلز — وهما التقييمان اللذان يظلان، برغم اختلاف توقيتهما، المرآة الأكثر صدقاً لجدوى أي إصلاح تربوي.
الوهم الإحصائي: لماذا لا يمكن انتظار جيل كامل؟
يواجه المدافعون عن نموذج مدارس الريادة هذه الأرقام بحجة “الزمن الضروري”، مرفوقة برسم بياني نشره يوسف سعداني، يقاطع فيه نتائج الابتدائي (تيمس2019) والثانوي (بيزا2025). ويخلص سعداني، عبر خط انحدار شبه تام (r = 0.82)، إلى أن “مصير نظام تعليمي يتحدد منذ السنة الرابعة ابتدائي”، داعياً المغاربة إلى “التسلح بالصبر وانتظار جيل كامل حتى تؤتي إصلاحات الابتدائي أكلها في الثانوي”.بل يبشرنا بأن نتائج المغرب في التقييمات الدولية لن تتحسن لا في بيرلز 2026 ولا في تيمس 2027 ولا حتى في بيزا 2031 بل ينبغي انتظار بيزا 2037 لبلوغ هذا المراد. لكن هذاالخطاب الإحصائي المحبطيعاني من عيوب منهجية جوهرية تكشف قصوره.
أولاً: هذا الرسم البياني لا يقيس الأثر البيداغوجي للابتدائي على الثانوي، بل يلتقط فقط الوزن السوسيو-اقتصادي للبلدان. فالبلد المتقدم يتفوق في المرحلتين معاً، والبلد النامي يواجه تحديات بنيوية شاملة. والخلط بين هذا الارتباط الماكرو-اقتصادي والسببية البيداغوجية خطأ منهجي صارخ. فالتلاميذ ليسوا مدخلات صناعية سلبية، والمدرسة ليست مجرد انعكاس آلي للاقتصاد.
ثانياً: التاريخ القريب يثبت أن التدخل في الإعدادي والثانوي يمكن أن يكسر المسارات المدرسية في ثلاث سنوات فقط. فالفلبين، التي سجلت 297 نقطة فقط في الرياضيات في تيمس 2019 مقابل 383 للمغرب، حققت واحدة من أقوى التقدمات العالمية في بيزا 2025(+16 نقطة في الرياضيات، +20 في القراءة)، لأنها رفضت انتظار 15 سنة ونشرت خطة معالجة استعجالية مباشرة في الثانوي. وفي المقابل، ضاعت أسس جيدة في كوسوفو بسبب إعدادي معطوب، لتصل نسبة الفشل في الحد الأدنى في بيزا 2025 إلى 85 في المائة. فالمسار المدرسي ليس قدَراً محتوماً، بل يمكندحضالحتمية بالتدخل الميداني.
ثالثاً: حتى لو انتظرنا جيلاً كاملاً، هل النموذج الحالي لمدارس الريادة مصمم للنجاح دولياً؟ إن المقاربات المعتمدة في مدارس الريادة حولت المدرس إلى مجرد منفذ لسكريبتات مكتوبة سلفاً، مما أسس لعهد ’الطايلوريةالبيداغوجية‘ وضرب مبدأ الاستقلالية المهنية”. هذا التعبير المستوحى من نقد نظام “الطايلورية ” الصناعي يحمل إدانة لتحويل التعليم إلى عملية إنتاجية آلية تفتقد للبعد الإنساني والإبداعي.إن هذا النموذج يحول الفصل الدراسي إلى فضاء للحفظ والتكرار ويخضع المدرس لنصوص جاهزة ينتجها البيروقراطيون تناقض تماماً مبدأ الاستقلالية البيداغوجية الذي كرسته الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 والقانون-الإطار 51.17”، وهذا توجه يقتل الإبداع لدى المدرس والتلميذ معاً وينتج تلاميذ قادرين على التكرار الآلي وعاجزين عن التفكير النقدي وحل المشكلات المركبة والإبداع التي تقيسها التقييمات الدولية مثل بيزا.
وهكذا يتحول التأجيل الجيلي إلى نوع من “المظلة السياسية”المختزلة في استراتيجية تواصلية مثالية لتبرئة العجز أو التراجع الحالي في الإعدادي والثانويالتأهيلي، بإلقاء اللوم على الماضي. فتحصين الابتدائي ضروري، لكن استخدامه ذريعة لتبرير الانتظار في الثانوي خطأ استراتيجي يضحي بتلاميذ اليوم. فمدرسة النجاح تعمل في كل مكان، وفوراً.
“أداة طارل”: بين الفعالية والحدود البنيوية
إذا كان الاستئناس بالتجارب الدولية مطلوبا، فإنه لا ينجح إلا بشروط ثلاثة: أن يكون المستورَد قد أثبت فعاليته في بيئات مختلفة، وأن ندرس شروط نجاحه ونوفرها في البيئة الجديدة، وألا نكون قادرين على إنتاج هذه الممارسات بإمكاناتنا الذاتية. وهذه الشروط غير متوفرة كلها فيما تم استيرادهفي إطار مدارس الريادة، خاصة أداة طارل والتدريس الصريح، اللذين لم يثبتا فعاليتهما سوى في بيئات محدودة تتميز بالهشاشة وضعف التحصيل الدراسي.
إنما استوردته الوزارة من أدوات بيداغوجية كان من الممكن جداً أن يطور محلياً دون مساعدة خارجية، لأن هذه الأدواتتعتبر من صميم العمل الذي من المفترض أن يتقنه المدرس المغربي بعد تخرجه من مراكز التكوين. بعبارة أخرى، فإن المشكلة ليست في التقنيات بحد ذاتها، بل فيفقر التكوين الأساس للمدرسين الذي يجعل من البديهياتإنجازاً غير مسبوق يستحق يستحق الاحتفاء.
العقد الهيكلية السبع: ما وراء مدارس الريادة
إننا نعزو الإخفاقالمتواصل للمدرسة المغربية إلى سبع عقد حرجة وهيكلية، يأتي في مقدمتها الجمود الذي طال المنهاج الدراسي الوطني الذي لم يشهد أي مراجعة شاملة منذ سنة 2002، أي منذ ربع قرن. وتتعلق العقدة الثانية بوضعية المدرسين الذين يعانون من غياب الاستقلالية، حيث حولت المقاربات المعتمدة في نموذج “مدارس الريادة” المدرس إلى مجرد منفذ لسيناريوهات مكتوبة سلفاً.
وتكشف العقدة الثالثة عن أزمة الحكامة والمركزية المفرطة التي تخنق المبادرات المحلية وتفرغ استقلالية المؤسسات من محتواها، فيما تتمثل العقدة الرابعة في غياب نظام وطني مؤسساتي لضمان الجودة، مع تسجيل تهميش الهيئة الوطنية للتقييم المستقلة لصالح المرصد الوطني للتنمية البشرية التابع للحكومة في ما يخص تقييم مدارس الريادة، مما أفرغ عملية التقييم من محتواها التصحيحي والموضوعي وجعلها تفتقد للموضوعية.
أما العقدة الخامسة فتتعلق بـاستمرار تفاقم الفوارق الاجتماعية والمجالية، حيث بلغ عدد الشباب خارج منظومة التعليم والعمل والتكوين أزيد من ثلاثة ملايين شخص، في حين تعمق الميز المدرسي مع بلوغ نسبة القطاع الخاص أزيد من 17 في المائة وطنياً وتسجيله لنسب تصل إلى 70 في المائة في المدن الكبرى. وتتمثل العقدة السادسة في إدماج التكنولوجيا الرقمية الذي يفتقر إلى البعد البيداغوجي ويقتصر على توفير المعدات دون تكوين الأساتذةبما يكفي. وتكتمل هذه العقد بالعقدة السابعة المتعلقة بـالسياسة اللغوية الحالية التي تشكل عائقاً حقيقياً وتتناقض مع المعايير الدولية، حيث تسبب الانتقال المفاجئ لتدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية في السلك الإعدادي في صدمة معرفية وانهيار في النتائج، إذ فقد المغرب 67 نقطة في العلوم في تقييم تيمس لسنة 2023.
الاختزال الذي فاقم العقد
غير أن ما يثير الانتباه هو أن هذه العقد السبع لم تكن مجرد معطيات قائمة بذاتها، بل فاقمها التركيز المختزل على مدارس الريادة على حساب الرؤية الشمولية للإصلاح التي جاء بها القانون-الإطار 51.17، إلى درجة أن الوزارة نفسها أصبحت تدعى وزارة الريادة. فبدلاً من معالجة المنهاج الدراسي المتجمد منذ 2002، أو إصلاح تكوين المدرسين ومواكبتهم، أو بناء نظام وطني لضمان الجودة، أو معالجة الفوارق الاجتماعية والمجالية، أو إدماج التكنولوجيا بشكل بيداغوجي، أو إعادة النظر في السياسة اللغوية، اكتفت الحكومة بالرهان على نموذج بيداغوجي، دون أن يمس جوهر العقد الهيكلية التي تعيق المنظومة.
ونشير في هذا السياق إلى أن خارطة الطريق 2022-2026 فضلت الاستناد إلى رؤية شكيب بنموسى، مهندس النموذج التنموي، على حساب الرؤية الاستراتيجية 2030، التي تم تهميشها، أو حتى تجاهلها، لأن القانون الإطار الذي يشكل ترجمتها القانونية ظل في قاعة الانتظار منذ صدوره في عام 2019إلى غاية مشارفة الولاية الحكومية على الانتهاء. فبدلاً من أن يكون إطاراً ملزماً وشاملاً يوجّه الإصلاح ويؤطره، تحول إلى نص معلق، بينما انخرطت الوزارة في تصور جديد للإصلاح مختزل في بعض العناصر، ممانزع عن الإصلاح صفة الشمولية والنسقية وأوقعه في فخ المقاربة الانتقائية والتجزيئية.
وهكذا، فإن مدارس الريادة، حتى لو نجحت في تحسين التعلمات الأساس على نطاق ضيق، لم تكن قادرة على معالجة العقد السبع، بل إن اختزال الإصلاح فيها أدى إلى إهمال الرؤية الشمولية التي جاء بها القانون-الإطار، وبالتالي زاد من حدة هذه العقد بدل أن يحلها. فالمشكلة ليست في التركيز على التعلمات الأساس بحد ذاتها، بل في الاعتقاد بأن تحسينها عبر نموذج تجريبي محدود يمكن أن يعوّض عن إصلاح شامل يمس المنهاج والتكوين والحكامة والجودة والإنصاف والسياسة اللغوية.
الحد الأدنى الضروري وفخ الاختزال
هنا يتضح الموقف المركب الذي نتبناه في هذا المقال. فنحن لاننكر أن مدارس الريادة قدتنجح في تحسين نسبة التلامذة المتحكمين في التعلمات الأساس، لكننانشدد على أن هذا لا يعدو أن يكون من الأهداف الدنيا التي ينبغي أن تحققها أية مدرسة عادية إذا قام الجميع بالمهام المطلوبة منه. ونعتبر بأن مشروع مدارس الريادة فكرة سليمة من حيث المنطلقات العلمية التي ترتكز عليها، غير أنناننبه إلى أن ما تقترحه الوزارة في هذه المدارس ليس جديداً، بل يعتبر من بديهيات العمل البيداغوجي للمدرس.
المشكلة، إذن، ليست في التركيز على التعلمات الأساس بحد ذاتها، بل في اختزال الإصلاح فيها. إن إعداد الأطر التي يحتاجها المغرب لبلوغ مصاف الدول الصاعدة لن ينجح بمخرجات مدارس الريادة وسيكون لزاماً على الدولة المراهنة على القطاع الخاص لملء هذا الفراغ، كما أن هذا النموذج سيكرّس عدم الإنصاف داخل المنظومة التربوية بتعميقه للهوة بين المدارس العمومية والمدارس الخصوصية.علما بأن هذه الأخيرة لا تتبنى النمودج لأنها تعرف حدوده.
رهان الحكومة المقبلة: ما بعد “الحد الأدنى”
في ضوء هذه المعطيات، يصبح السؤال المطروح على حكومة المنصوري ليس “هل نستمر في مدارس الريادة أم لا؟”، بل “كيف ننتقل من تجربة تجزيئية إلى إصلاح شامل يحقق الجودة والإنصاف للملايين من التلاميذ المغاربة؟”. إن مدارس الريادة ليست فشلاً مطلقاً، ولا معجزة تربوية. إنها تجربة تعالج أزمة حقيقية — أزمة التعلمات الأساس التي يعاني منهاالكثير التلاميذ — بأدوات مستوردة كان من الممكن الاستغناء عنها بأدوات محلية خالصة. وإذا تجاوزت الأعطاب التي ما فتئنا ننبه إليها،يمكن اعتبارها حدا أدنى لا بد منه، لكن اختزال الإصلاح فيها، سيفرز منظومة تربوية غير قادرة على رفع تحديات التنمية ولا على بلوغ الحد الأدنى من الكفايات في التقييمات الدولية مثل بيزا وبيرلز.
والحكومة المقبلة أمام خيار تاريخي: إما الاستمرار في تسويق سياسة تعليمية فاشلة بأرقام لا تكذب، مرفوقة بأوهام إحصائية تدعو إلى انتظار جيل كامل، وهي “مظلة سياسية” لتبرير العجز أو التراجع الحالي في الإعدادي والثانوي، أو الجرأة على الاعتراف بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ حيث تنتهي مدارس الريادة — أي بالعودة إلى الرؤية الشمولية للقانون-الإطار 51.17، ومعالجة العقد السبع واحدة تلو الأخرى، بدل المراهنة على نموذج واحد لإنقاذ منظومة بأكملها، وبدل انتظار جيل كامل قد لا يأتي أبداً. فإصلاح التعليم لن يتحقق بمدرسة الريادة بمفهومها الحالي وإنما بريادة المدرسة للنموذج التنموي المغربي في أفق 2035.لكن ليس أية مدرسة وإنما المدرسة الجديدة كما أسست لها بشكل رائع الرؤية الاستراتيجية 2015-2030.


